الشيخ أبو بكر الدلائي المجاطي: العالم الزاهد من أيت إسحاق الذي أنار تاريخ المغرب
كم من صفحات مشرقة في تاريخنا ما زالت طيّ النسيان؟
وكم من رجالٍ صنعوا المجد بعلمهم وجهادهم ثم غاب ذكرهم، إلا في صدور القلائل الذين أبَوا أن تُمحى الذاكرة؟
من بين هؤلاء الرجال، يبرز الشيخ أبو بكر الدلائي المجاطي، أحد أعلام المغرب العلمي والديني في القرن السابع عشر، وأحد أبناء منطقة أيت إسحاق الذين تركوا بصمة لا تمحى في مسار الفكر المغربي.
رجل جمع بين العلم والزهد، بين التربية والإصلاح، وبين القيادة الروحية والسياسية في زمن كان المغرب يعيش فيه اضطراباً سياسياً ومجتمعياً كبيراً.

🕰️ من هو الشيخ أبو بكر الدلائي المجاطي؟
هو أبو بكر بن محمد بن سعيد المجاطي الدلائي، من أسرة عريقة في العلم والصلاح تنتمي إلى قبيلة مجاط، التي كان لها حضور قوي في الأطلس المتوسط وما جاوره.
نشأ في بيئة علمية صوفية، حيث زاوية الدلاء كانت منارة علمية وروحية كبرى في المغرب خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.
تلقّى علومه الأولى في مسقط رأسه على أيدي العلماء والفقهاء، قبل أن يشد الرحال إلى مدينة فاس، مركز العلم والمعرفة في ذلك العصر، لينهل من ينابيع القرويين، وليتعرف على رموز الفكر الصوفي والعلمي الذين أثروا في شخصيته.
ويُروى أنه حين عاد من فاس إلى مسقط رأسه، عاد مشحوناً بالعلم والحكمة، يحمل مشروعاً تربوياً إصلاحياً كبيراً، جعل من زاوية الدلاء مركز إشعاع علمي وروحي جذب إليه الطلبة من مختلف ربوع المغرب.

🌿 زاوية الدلاء… جامعة في قلب الأطلس
لم تكن زاوية الدلاء مجرد مكان للعبادة، بل كانت جامعة حقيقية قبل ظهور الجامعات الحديثة.
توافد إليها الطلبة من فاس ومكناس وسوس والسهول الغربية وحتى من الصحراء. كانت الزاوية تعج بحلقات العلم، وبها خزانة عامرة بالمخطوطات النادرة في الفقه والتفسير واللغة والمنطق والتصوف.
وقد عُرفت الزاوية بانفتاحها على الفكر، إذ لم تكن مقتصرة على مذهب واحد أو اتجاه محدد، بل كانت تستقبل العلماء من مختلف المشارب، مما جعلها منارة للتنوع الفكري والاعتدال الديني.
ومن رحم هذه الزاوية، خرجت شخصيات كبرى تركت بصمتها في الفكر المغربي والإسلامي، وكان من أبرزهم الشيخ أبو بكر الدلائي الذي جمع بين العلم الواسع، والورع، والحكمة، والبصيرة السياسية.
📜 موقفه من السلطة والناس
لم يكن أبو بكر الدلائي مجرد فقيه زاهد منعزل، بل كان رجلاً ذا حضور قوي في الساحة الفكرية والسياسية.
يُروى أن أحد العلماء عاد من مدينة فاس، وسُئل عن أحوال الشيخ أبي بكر، فأجاب بجملته الشهيرة التي خلدها التاريخ:
“أخذ الناس الأوصاف، وأخذ أبو بكر بالاتصاف.”
أي أن الناس اكتفوا بالكلام عن الفضائل، أما أبو بكر فقد تجسدت الفضائل في سلوكه وأفعاله.
هذه العبارة تلخص شخصية الرجل الذي عاش ما علّم، وقال ما فعل، وفعل ما قال.
كان يرى أن القدوة الحقيقية لا تكون في المواعظ المجردة، بل في الممارسة اليومية، في الصدق والتواضع وخدمة الناس بالعلم.
وقد تميزت علاقته بالسلطة بالحذر والاتزان. ففي زمنٍ كانت فيه الصراعات بين السعديين والدلائيين والعلويين محتدمة، اختار الشيخ طريق الاعتدال، محافظاً على دور الزاوية كمنارة للعلم، بعيداً عن النزاعات السياسية، لكن دون أن يتخلى عن موقفه الأخلاقي من العدالة والكرامة الإنسانية.

🕌 إرث علمي وروحي خالد
ترك الشيخ أبو بكر إرثاً علمياً وروحياً كبيراً، لم يُدوّن منه إلا القليل، لكنه انتقل عبر السند التربوي الصوفي الذي احتفظ به تلامذته ومريدوه.
كان يدرّس الفقه والحديث والتصوف واللغة، ويحرص على الجمع بين العلم والعمل.
ومن أهم مبادئه التربوية:
- أن العلم وسيلة للإصلاح لا للجدال.
- وأن الزهد ليس في ترك الدنيا، بل في أن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك.
- وأن صلاح الفرد هو بداية صلاح المجتمع.
كما اشتهر بتربيته لعدد من العلماء الكبار الذين واصلوا طريقه، وأسهموا في نشر العلم في مختلف مناطق المغرب.
🌾 أيت إسحاق… مهد النور ومركز التاريخ
حين نذكر أيت إسحاق اليوم، فإننا لا نتحدث فقط عن بلدة جبلية جميلة، بل عن مكانٍ أنجب العلماء والأولياء والمجاهدين.
فمن هذه الأرض الطيبة خرج الشيخ أبو بكر الدلائي المجاطي، حاملاً علمه وورعه إلى الناس، مؤسساً لحركة فكرية وروحية تركت آثارها في التاريخ المغربي لقرون.
ولعل من المؤلم أن تمر الأجيال اليوم على أنقاض الزاوية القديمة أو بقايا معالمها، دون أن تدرك أن هذه الحجارة كانت يوماً جامعة للعلماء وملاذاً للروح.
فكم من طالب علم جلس تحت قبتها، وكم من عالم تخرّج منها ليضيء المغرب بعلمه.
🕯️ لماذا ننسى رموزنا؟
السؤال الذي طرحه الأستاذ محمد إحيى أيت إسحاق في منشوره مؤلم وعميق:
“فأين نحن من هذه الشخصية التاريخية العالمة التي أنجبتها منطقتنا؟”
حقاً، أين نحن؟
لماذا نترك صفحات التاريخ تتآكل؟
ولماذا لا ندرّس لأطفالنا أن في منطقتهم علماء حملوا راية الفكر والإصلاح قبل قرون؟
إن النسيان لا يُمحى إلا بالتذكير، والتذكير لا يكون إلا بالتوثيق والكتابة والإحياء.
ومسؤوليتنا اليوم أن نعيد هذه الأسماء إلى الضوء، أن نحكيها في مدارسنا، في منابرنا، في فضاءاتنا الثقافية.

🧭 دروس من سيرة أبي بكر الدلائي
سيرة هذا الشيخ ليست مجرد حكاية من الماضي، بل مرآة تعكس ما نفتقده اليوم:
- في زمنٍ يعلو فيه الجدل، نحتاج إلى من يعلمنا الاتصاف لا الأوصاف.
- في زمن الانقسام، نحتاج إلى من يجمع الناس حول قيم العلم والصدق والرحمة.
- في زمن الاغتراب، نحتاج إلى من يذكّرنا أن الهوية لا تُحفظ إلا بالعلم والتاريخ والذاكرة.
فمن خلاله نتعلم أن القوة الحقيقية ليست في السلطة، بل في الإخلاص، وأن المجد لا يُبنى بالصخب، بل بالصمت والعمل.
📚 دعوة لإحياء التراث العلمي لأيت إسحاق
إن استحضار شخصية أبي بكر الدلائي ليس فقط استرجاعاً لتاريخٍ مضى، بل دعوة لإحياء تراث أيت إسحاق العلمي والثقافي.
نحتاج إلى مشاريع بحثية، إلى توثيق الزوايا القديمة، إلى رقمنة المخطوطات، وإلى فتح مكتبات تحمل أسماء علمائنا.
كما يمكن للمدارس والمؤسسات المحلية أن تكرّم هذه الرموز بإطلاق أسمائهم على الفصول الدراسية، القاعات، أو الجمعيات الثقافية.
فالتاريخ لا يعيش في الكتب وحدها، بل يُبعث في الذاكرة الجماعية حين يصبح جزءاً من الحياة اليومية.
🌸 كلمة ختامية
الشيخ أبو بكر الدلائي المجاطي لم يكن مجرد اسم في سجل النسب أو زاوية طواها النسيان،
بل كان روحاً من أيت إسحاق امتدت عبر الزمن، تذكّرنا بأن العلم والخلق يمكن أن يصنعا مجداً خالداً.
لقد قال أحد تلامذته:
“كان الشيخ إذا تكلم، أحيا القلوب، وإذا سكت، ذكّر الصمت بالله.”
فما أحوجنا اليوم إلى هذا النور، إلى هذا النوع من الرجال الذين يعيشون بما يعلمون، ويُعلّمون بما يعيشون.
فلنكتب عنهم، ولنحكِ سيرهم، لأن كل حرف عنهم هو مقاومة ضد النسيان.
🕊️ عن موقع Aitishaq.com
Aitishaq.com هو فضاء رقمي يهدف إلى توثيق تاريخ وتراث أيت إسحاق، عبر المقالات، الصور، والبحوث التي تُعيد الحياة لذاكرة المكان.
نؤمن أن الحفاظ على الماضي هو السبيل لبناء مستقبل متوازن، وأن كل صورة، وكل حكاية، وكل اسم منسي هو جوهرة تنتظر من ينفض عنها غبار الزمن



